حديث
٥٧٥
۞
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من اعتدل يوماه فهو مغبون، ومن كانت الدنيا همه اشتدت حسرته عند فراقها، ومن كان غده شر يوميه فمحروم، ومن لم يبال بما زوي من آخرته إذا سلمت له دنياه فهو هالك، ومن لم يتعاهد النقص من نفسه غلب عليه الهوى، ومن كان في نقص فالموت خير له، إن الدنيا خضرة حلوة ولها أهل، وإن الآخرة لها أهل ظلفت أنفسهم عن مفاخرة أهل الدنيا، لا ينافسون في الدنيا ولا يفرحون بغضارتها ولا يحزنون لبؤسها. يا شيخ! من خاف البيات قل نومه، ما أسرع الليالي والأيام في عمر العبد، فاخزن لسانك وعد كلامك يقل كلامك إلا بخير. يا شيخ! ارض للناس ما ترضى لنفسك، وآت إلى الناس ما تحب أن يؤتى إليك. ثم أقبل على أصحابه وقال: أيها الناس، أما ترون إلى أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى، فبين صريع يتلوى وبين عائد ومعود، وآخر بنفسه يجود وآخر لا يرجى وآخر مسجى، وطالب الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه وعلى إثر الماضي يصير الباقي، إن الله خلق خلقا، ضيق عليهم الدنيا نظرا لهم فزهدهم فيها وفي حطامها، فرغبوا في دار السلام الذي دعاهم إليه، وصبروا على ضيق المعيشة، وصبروا على المكروه، واشتاقوا إلى ما عند الله من الكرامة، وبذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان من الله، وكانت خاتمة أعمالهم الشهادة فلقوا الله وهو عنهم راض، وعلموا أن الموت سبيل من مضى ومن بقي، وتزودوا لآخرتهم غير الذهب والفضة، ولبسوا الخشن، وصبروا على القوت، وقدموا الفضل، وأحبوا في الله وأبغضوا في الله، أولئك المصابيح وأهل النعيم في الآخرة، والسلام.